صديق الحسيني القنوجي البخاري
109
فتح البيان في مقاصد القرآن
الخامس : روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن اللّه تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السّلام قال قد أجبت دعاءك في إسماعيل ، وباركت عليه فكبرته وعظمته جدا جدا ، وسيلد اثني عشر عظيما وأجعله لأمة عظيمة . والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأما دعاء إبراهيم عليه السّلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة والسّلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 129 ] ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسّلام « أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى » « 1 » وهو قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ، فإنه مشتق من الحمد ، والاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا ، فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود ، وقيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون . والسادس : قال المسيح للحواريين أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه ، إنما يقول كما يقال له ، وتصديق ذلك : إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ [ الأعراف : 203 ] وقوله : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ يونس : 15 ] أما الفارقليط ففي تفسيره وجهان أحدهما : أنه الشافع المشفع ، وهذا أيضا صفته عليه الصلاة والسّلام ، الثاني : قال بعض النصارى الفارقليط هو الذي يفرق بين الحق والباطل ، وكان في الأصل فاروق ، كما يقال راووق للذي يروق به ، وأما ليط فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب ، وهذا أيضا صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل . والسابع : قال دانيال لبخت نصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن يقصها عليه رأيت أيها الملك منظرا هائلا رأسه من الذهب الإبريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعض رجليه من حديد وبعضها من خزف ، ورأيت حجرا يقطع من غير قاطع ، وصك رجل ذلك الصنم ودقها دقا شديدا فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتا ، وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر ، وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلا عاليا امتلأت به الأرض ، فهذا رؤياك أيها الملك . وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها ، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد ، وأما الرجل التي كان بعضها من حديد وبعضها من خزف ،
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 127 ، 128 ، 5 / 262 .